بطرابيشهم المدببة وأقنعتهم البيضاء، أثبتت هذه الجماعة المتطرفة أن الشيطان قد يتنكر باللون الأبيض الصافي أحيانا. فطالما سعت منظمة كو كلوكس كلان الشهيرة (KKK)، وهي منظمة إيديولوجية تأسست في الجنوب الأمريكي في فترة ما بعد الحرب الاهلية سنة 1866، إلى إدامة تفوق العرق الأبيض وأفضليته على باقي الأعراق، منتهجة العنف والديكتاتورية للتسويق لأفكارها المتطرفة إلى أقصى الحدود.
كما اشتهرت كو كلوكس كلان بتنفيذ هجمات دامية ضد السود والمتعاطفين معهم على مدى 151 عاما. وعلى الرغم من أن بعض قرارات المحكمة العليا سمحت بمقاضاة جماعة كلان بسبب نشاطها الإرهابي البشع، غير أنها ظلت متعنتة ومتوغلة في سياساتها المستفزة دون أن يتم توقيفها أو إحالتها للقانون.
من مقلب ساخر إلى جماعة متطرفة
كل شيء بدأ في ماي 1866، عندما عقدت جماعة من قدامى المحاربين الكونفدراليين ناد ساخر، يتبادلون فيه أطراف الحديث ويرفهون عن أنفسهم فيه بالمقالب والسخرية. لكن، سرعان ما تطور النادي ليتحول إلى منظمة سرية تسعى إلى تمكين البيض الجنوبيين من إعادة تأكيد تفوقهم السياسي والاجتماعي. وذلك ضد إعادة الإعمار الراديكالي وضد السود. وكان الجنرال الكونفدرالي “ناثان بيدفورد فورست” أول زعيم لها.
منذ أنشطتها الأولى، أرهبت جماعة KKK السود وكذا المهاجرين القادمين من الشمال. حيث تم استخدام الجلد، التشويه والقتل العشوائي المرعب وغيرها من أعمال العنف الهمجية لتخويف السود ومنعهم من التصويت.
وإن شئنا تلخيص إيديولوجيا هذه الجماعة، فإن جماعة كو كلوكس كلان تؤمن بتفوق العرق البروتستانتي الأبيض على غيره من الأعراق والديانات. وتحرض ضد تحرير السود وحصولهمعلى الحقوق المدنية، كما تطالب بالقضاء على الأقليات الدينية والعرقية في الولايات المتحدة.
وفي الواقع، لقد ارتكبت جماعة كو كلوكس كان معدل جرائم أكثر من مجموع عدد الجرائم التي عرفها القرن العشرين مجتمعة.
استفحال منظمة كو كلوكس كلان في المجتمع الأمريكي
في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، وهي حقبة عرفت الكثير من الاضطرابات الاقتصادية، انتشرت جماعة كو كلوكس كلان على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية. وانضم لها ما بين مليونين وأربعة ملايين عضو. حيث كانت تتمتع بالسلطة السياسية في كل من إنديانا وأوكلاهوما وأوريغون، وكذلك في الجنوب القديم. كما ساعدت ولازالت تساعد في انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ والحكام الأمريكيين. مع تنامي نزعة الكراهية تجاه المهاجرين والأقليات واليهود والكاثوليك والنقابات العمالية.
في عام 1924، انتصرالمؤتمر الوطني الديمقراطي على الاقتراح الذي يدين كو كلوكس كان بعد جدل محتدم حول برنامج الحزب المناهض للعنف المرتكب من جهة الجماعة. وفي منتصف العشرينيات من القرن الماضي، أدت القيادة غير الحكيمة والاستغلالية، والصراع الداخلي، والفساد والعنف إلى الإضرار بسمعة كو كلوكس كلان بشكل واسع.
وفي ثلاثينيات القرن الماضي، وجدت جماعة KKK مكانا لها في معاداة اليهود والشيوعية إلى أن تم حل المنظمة رسميًا في عام 1944، بعد عجزها عن سداد الضرائب الفيدرالية.
ذروة كو كلوس كلان وسجلها الإجرامي الدامي
ظهرت موجة كو كلوكس كلان الثالثة في عام 1946، عقب الحرب العالمية الثانية. وذلك كرد فعل على التخوف من انتشار الشيوعية وحركة الحقوق المدنية. حيث ترأس صموئيل غرين الجماعة. هذا الأخير كان طبيبا ينحدر من ولاية أتلانتا. ومع ذلك، كانت المجموعة حبيسة أنشطتها السابقة.
باشرت الجماعة العديد من أعمال العنف المألوفة، ولكن بحدة أكبر وبشكل أشرس. حيث كانت وراء تفجير كنيسة خاصة بالسود في برمنغهام، ألاباما في عام 1963. وقتلت ثلاثة من العاملين في مجال الحقوق المدنية في ميسيسيبي في عام 1964. إلى جانب اغتيال الناشطة فيولا ليوزو، متطوعة في مجال حقوق التصويت بالشمال سنة 1965.
فتور وهدوء قبل العاصفة
وفي عام 1965 ألقى الرئيس الأميركي الراحل ليندون جونسون خطابا أدان فيه نشاطات المنظمة. وأعطى توجيهاته باعتقال المشتبه بارتكابهم جرائم ذات صلة بأنشطتها. وفي العقود الثلاثة المقبلة تشظّت ”كو كلوكس كلان” إلى مجموعات تتنمي لما يسمى بالنازيين الجدد.
وفي مطلع التسعينيات كان عدد أعضاء المنظمة يتراوح بين 6000 و10000 يتركز معظمهم فيما يعرف بالجنوب العميق أو الجنوب السفلي بالولايات المتحدة.
لكن المنظمة لم تغب كليا، فقد نفذت من حين لآخر عمليات عنصرية، من أبرزها مهاجمة كنيسة تشرالستون الأفريفية بكارولاينا الجنوبية عام 2015، مما أدى لمقتل تسعة أشخاص وجرح ستة آخرين. كما كان لها دور أساسي في الترويج لانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية سنة 2016، والذي رفض في مناسبات عديدة انتقادها بشكل علني.